السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )
778
مختصر الميزان في تفسير القرآن
الدعوة إلى ملازمة التقوى الذي أوصى اللّه به هذه الأمة ومن قبلهم من أهل الكتاب يدل على أن اظهار الاستغناء وعدم الحاجة المدلول عليه بقوله « إِنْ يَشَأْ » ، إنما هو في أمر التقوى . والمعنى أن اللّه وصاكم جميعا بملازمة التقوى فاتقوه ، وان كفرتم فإنه غني عنكم ، وهو المالك لكل شيء المتصرف فيه كيفما شاء ولما شاء ان يشأ أن يعبد ويتقى ولم تقوموا بذلك حق القيام فهو قادر أن يؤخركم ويقدم آخرين يقومون لما يحبه ويرتضيه ، وكان اللّه على ذلك قديرا . وعلى هذا فالآية ناظرة إلى تبديل الناس ان كانوا غير متقين بآخرين من الناس يتقون اللّه ، وقد روي « 1 » أن الآية لما نزلت ضرب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم يده على ظهر سلمان وقال : انهم قوم هذا . وهو يؤيد هذا المعنى ، وعليك بالتدبر فيه . قوله تعالى : مَنْ كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوابُ الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَكانَ اللَّهُ سَمِيعاً بَصِيراً بيان آخر يوضح خطأ من يترك تقوى اللّه ويضيع وصيته بأنه ان فعل ذلك ابتغاء ثواب الدنيا ومغنمها فقد اشتبه عليه الأمر فإن ثواب الدنيا والآخرة معا عند اللّه وبيده ، فماله يقصر نظره باخس الأمرين ولا يطلب أشرفهما أو إياهما جميعا ؟ كذا قيل . والأظهر أن يكون المراد - واللّه أعلم - أن ثواب الدنيا والآخرة وسعادتهما معا إنما هو عند اللّه سبحانه فليتقرب إليه حتى من أراد ثواب الدنيا وسعادتها فإن السعادة لا توجد للإنسان في غير تقوى اللّه الحاصل بدينه الذي شرعه له فليس الدين إلا طريق السعادة الحقيقية ، فكيف ينال نائل ثوابا من غير إيتائه تعالى وإفاضته من عنده وكان اللّه سميعا بصيرا « 2 » .
--> ( 1 ) . أوردها البيضاوي في تفسيره . ( 2 ) . النساء 127 - 134 : بحث روائي في : تقاليد الجاهلية حول حرمان النساء والأطفال من الإرث ؛ نشوز الرجال ؛ مراعاة العدالة بين النساء .